الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الجلالين ***
{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)} {واتل مآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لكلماته وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ملجأ.
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)} {واصبر نَفْسَكَ} احبسها {مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى يُرِيدُونَ} بعبادتهم {وَجْهَهُ} تعالى لا شيئاً من أعراض الدنيا وهم الفقراء {وَلاَ تَعْدُ} تنصرف {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} عبر بهما عن صاحبهما {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي القرآن هو عيينة بن حصن وأصحابه {واتبع هَوَاهُ} في الشرك {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} إسرافاً.
{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)} {وَقُلِ} له ولأصحابه هذا القرآن {الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآء فَلْيَكْفُرْ} تهديد لهم {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي الكافرين {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ما أحاط بها {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل} كعكر الزيت {يَشْوِى الوجوه} من حرِّه إذا قُرِّبَ إليها {بِئْسَ الشراب} هو {وَسَآءَتْ} أي النار {مُرْتَفَقًا} تمييز منقةل عن الفاعل أي قبح مرتفعها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة «وحسنت مرتفقاً» وإلا فأيّ ارتفاق في النار.
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)} {إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} الجملة خبر «إن الذين» وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، والمعنىأجرهم، أي نثيبهم بما تضمنه.
{أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)} {أولا ئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} إقامة {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} قيل «من» زائدة، وقيل للتبعيض، وهي جمع «أَسْوِرة» ك (أحمرة): جمع (سوار) {مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ} ما رقّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ} ما غلظ منه وفي آية الرحمن {بطائنها من إستبرق} [54: 55] {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الارائك} جمع (أريكة) وهي السرير في الحجلة، وهي بيت يزيّن بالثياب والستور للعروس {نِعْمَ الثواب} الجزاء الجنة {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)} {واضرب} اجعل {لَهُمْ} للكفار مع المؤمنين {مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} بدل وهو وما بعده تفسير للمثل {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا} الكافر {جَنَّتَيْنِ} بستانين {مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} يقتات به.
{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)} {كِلْتَا الجنتين} كلتا مفرد يدل على التثنية مبتدأ {ءَاتَتْ} خبره {أُكُلُهَا} ثمرها {وَلَمْ تَظْلِم} تنقص {مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا} أي شققنا {خلالهما نَهَراً} يجري بينهما.
{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)} {وَكَانَ لَهُ} مع الجنتين {ثَمَرٌ} بفتح الثاء والميم وبضمهما وبضم الأوّل وسكون الثاني، وهو جمع (ثمرة)، ك (شَجَرَة) و(شَجَر)، و(خَشَبة) وخُشُب، و(بَدَنة) و(بُدْن) {فَقَالَ لصاحبه} المؤمن {وَهُوَ يحاوره} يفاخره {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} عشيرة.
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)} {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} بصاحبه يطوف به فيها ويُريه أثمارها ولم يقل (جنتيه) إرادة للروضة، وقيل اكتفاء بالواحد {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بالكفر {قَالَ مآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ} تنعدم {هذه أَبَداً}.
{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)} {وَمآ أَظُنُّ الساعة قآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّى} في الآخرة على زعمك {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} مرجعاً.
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)} {قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره} يجاوبه {أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} لأن آدم خلق منه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} منيّ {ثُمَّ سَوَّاكَ} عدّلك وصيّرك {رَجُلاً}.
{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)} {لَكِنَّاْ} أصله «لكن أنا» نقلت حركة الهمزة إلى النون، أو حذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها {هُوَ} ضمير الشأن تفسِّره الجملة بعده، والمعنى: أنا أقول {الله رَبِّى لآ أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا}.
{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)} {وَلَوْلاَ} هلا {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ} عند إعجابك بها هذا {مَا شَآءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله} في الحديث «من أعطي خيراً من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروهاً» {إِن تَرَنِ أَنَاْ} ضمير فصل بين المفعولين {أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا}.
{فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)} {فعسى رَبِّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ} جواب الشرط {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا} جمع (حسبانة) أي صواعق {مِّنَ السمآء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} أرضاً ملساء لا يثبت عليها قدم.
{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)} {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا} بمعنى غائراً، عطف على «يرسل» دون «تصبح» لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} حيلة تدركه بها.
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)} {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}- بأوجه الضبط السابقة-. مع جنته بالهلاك فهلكت {فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ} ندماً وتحسراً {عَلَى مآ أَنْفَقَ فِيهَا} في عمارة جنته {وَهِىَ خَاوِيَةٌ} ساقطة {على عُرُوشِهَا} دعائمها بأن سقطت ثم سقط الكَرْمُ {وَيَقُولُ يا} للتنبيه {لَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا}.
{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)} {وَلَمْ تَكُن} بالتاء والياء {لَّهُ فِئَةٌ} جماعة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله} عند هلاكها {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} عند هلاكها بنفسه.
{هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} {هُنَالِكَ} أي يوم القيامة {الولاية} بفتح الواو (النُّصرة)، وبكسرها (المُلك) {لِلَّهِ الحق} بالرفع صفة الولاية، وبالجرّ صفة الجلالة {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا} من ثواب غيره لو كان يثيب {وَخَيْرٌ عُقْبًا} بضم القاف وسكونها عاقبة للمؤمنين، ونصبهما على التمييز.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)} {واضرب} صيِّر {لَهُمْ} لقومك {مَّثَلُ الحياة الدنيا} مفعول أول {كَمَآءٍ} مفعول ثان {أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ} تكاثف بسبب نزول الماء {نَبَاتُ الأرض} أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وحَسُنَ {فَأَصْبَحَ} صار النبات {هَشِيمًا} يابساً متفرّقة أجزاؤه {تَذْرُوهُ} تنثره وتفرّقه {الرياح} فتذهب به، المعنى: شبَّه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرّقته الرياح، وفي قراءة «الريح» {وَكَانَ الله على كُلِّ شَئ مُّقْتَدِرًا} قادراً.
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا} يتجمل بهما فيها {والباقيات الصالحات} هي: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، زاد بعضهم: (ولا حول ولا قوة إلا بالله) {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي ما يأمله الإِنسان ويرجوه عند الله تعالى.
{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)} {وَ} اذكر {يَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال} يذهب بها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا. وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب (الجبال) {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً} ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره {وحشرناهم} المؤمنين والكافرين {فَلَمْ نُغَادِرْ} نترك {مِّنْهُمْ أَحَداً}.
{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)} {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّا} حال أي مصطفين كل أمة صفّ ويقال لهم {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي فرادى حفاة عراة غُرْلاً، ويقال لمنكري البعث {بَلْ زَعَمْتُمْ أ} مخففة من الثقيلة أي أنه {لَنْ نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} للبعث.
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} {وَوُضِعَ الكتاب} كتاب كل امرئ في يمينه من المؤمنين، وفي شماله من الكافرين {فَتَرَى المجرمين} الكافرين {مُشْفِقِينَ} خائفين {مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ} عند معاينتهم ما فيه من السيئات {يَا} للتنبيه {ويْلَتَنَا} هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه {مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} من ذنوبنا {إِلاَّ أَحْصَاهَا} عدّها وأثبتها؟ تعجبوا منه في ذلك {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} مثبتاً في كتابهم {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} لا يعاقبه بغير جرم ولا ينقص من ثواب مؤمن.
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)} {وَإِذْ} منصوب ب (اذكر) {قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ} سجود انحناء لاوضع جبهة تحية له {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن} قيل: هم نوع من الملائكة، فالاستثناء متصل وقيل هو منقطع و(إبليس) هو أبو الجنّ فله ذرية ذُكِرَت معه بَعْدُ، والملائكة لا ذرّية لهم {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي خرج عن طاعته بترك السجود {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} الخطاب لآدم وذرّيته، والهاء في الموضعين لإِبليس {أَوْلِيآءَ مِن دُونِى} تطيعونهم {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} أي أعداء، حال {بِئْسَ للظالمين بَدَلاً} إبليس وذرّيته في إطاعتهم بدل إطاعة الله.
{مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)} {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} أي إبليس وذرّيته {خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي لم أُحْضِر بعضهم خلق بعض {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين} الشياطين {عَضُداً} أعواناً في الخلق، فكيف تطيعونهم؟.
{وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)} {وَيَوْمَ} منصوب ب (اذْكُرْ) {يَقُولُ} بالياء والنون {نَادُواْ شُرَكَائِىَ} الأوثان {الذين زَعَمْتُمْ} ليشفعوا لكم بزعمكم {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} لم يجيبوهم {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} بين الأوثان وعابديها {مَّوْبِقاً} وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً، وهو من (وَبَقَ) بالفتح: (هَلَكَ).
{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)} {ورءالمجرمون النار فَظَنُّواْ} أي أيقنوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} أي واقعون فيها {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} معدلاً.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)} {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} بيّنّا {فِى هذا القرءان لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} صفة لمحذوف أي مثلاًمن جنس كل مثل ليتعظوا {وَكَانَ الإنسان} أي الكافر {أَكْثَرَ شَئ جَدَلاً} خصومة في الباطل، وهو تمييز منقول من اسم (كان)، المعنى: وكان جدل الإِنسان أكثر شيء فيه.
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)} {وَمَا مَنَعَ الناس} أي كفار مكة {أَن يُؤْمِنُواْ} مفعول ثان {إِذْ جَآءَهُمُ الهدى} القرآن {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاولين} فاعل أي سنتنا فيهم وهي الإِهلاك المقدّر عليهم {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً} مقابلة وعياناً وهو القتل يوم بدر. وفي قراءة بضمتين جمع (قبيل) أي أنواعاً.
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)} {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} للمؤمنين {وَمُنذِرِينَ} مخوّفين للكافرين {ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل} بقولهم: {أَبَعَثَ اللهُ بَشَرَاً رَّسُولاً} [17: 93-94]؟ ونحوه {لِيُدْحِضُواْ بِهِ} ليبطلوا بجدالهم {الحق} القرآن {واتخذوا ءاياتى} أي القرآن {وَمَآ أُنْذِرُواْ} به من النار {هُزُواً} سخرية.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)} {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بئايات رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ما عمل من الكفر والمعاصي {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية {أَن يَفْقَهُوهُ} أي أن يفهموا القرآن أي فلا يفهمونه {وَفي ءَاذَانِهِم وَقْراً} ثقلاً، فلا يسمعونه {وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً} أي بالجعل المذكور {أَبَدًا}.
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)} {وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم} في الدنيا {بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب} فيها {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} وهو يوم القيامة {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} ملجأ.
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)} {وَتِلْكَ القرى} أي أهلها كعاد وثمود وغيرهما {أهلكناهم لَمَّا ظَلَمُواْ} كفروا {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} لإِهلاكهم. وفي قراءة بفتح الميم أي لهلاكهم {مَّوْعِدًا}.
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)} {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ موسى} هو ابن عمران {لفتاه} يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ منه العلم {لاَ أَبْرَحُ} لا أزال أسير {حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين} ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي المشرق: أي المكان الجامع لذلك {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً} دهراً طويلاً في بلوغه إن بعُدَ.
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)} {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} بين البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا} نسي يوشع حَمْلَه عند الرحيل، ونسي موسى تذكيره {فاتخذ} الحوت {سَبِيلَهُ فِى البحر} أي جعله بجعل الله {سَرَباً} أي مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له، وذلك أن الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوَّة لم يلتئم وجَمَدَ ما تحته منه.
{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)} {فَلَمَّا جَاوَزَا} ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من ثاني يوم {قَالَ} موسى {لفتاه ءَاتِنَا غَدَاءَنَا} هو ما يؤكل أول النهار {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً} تعباً، وحصوله بعد المجاوزة.
{قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)} {قَالَ أَرءَيْتَ} أي تنبه {إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة} بذلك المكان {فَإِنّى نَسِيتُ الحوت وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان} يُبدل من الهاء {أَنْ أَذْكُرَهُ} بدل اشتمال أي أنساني ذكره {واتخذ} الحوت {سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا} مفعول ثان. أي يتعجب منه موسى وفتاه، لما تقدّم في بيانه.
{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)} {قَالَ} موسى {ذلك} أي فقدنا الحوت {مَا} أي الذي {كُنَّا نَبْغِ} نطلبه فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه {فارتدا} رجعا {على ءَاثَارِهِمَا} يقصانها {قَصَصًا} فأتيا الصخرة.
{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)} {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَآ} هو الخضر {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَءَاتيْنَاهُ} نبوّة في قول وولاية في آخر، وعليه أكثر العلماء {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا} من قبلنا {عِلْمًا} مفعول ثان أي معلوماً من المغيبات روى البخاري حديث «أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه: يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ووضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر (فاتخذ سبيله في البحر سرباً)، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت. فانطلقا بَقِيَّةَ يومهما وليلتهما، حتى إذا كانا من الغداة قال موسى لفتاه (ءَاتنا غَدَآءَنَا) إلى قوله {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً} قال: وكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً...»
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} {قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي صواباً أرشد به وفي قراءة بضم الراء وسكون الشين وسأله ذلك لأن الزيادة في العلم مطلوبة.
{قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)} {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}.
{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)} {وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} في الحديث السابق عقب هذه الآية " يا موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه " وقوله «خبراً» مصدر بمعنى لم نحط: أي لم تخبر حقيقته.
{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)} {قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى} أي وغير عاص {لَكَ أمْراً} تأمرني به وقيد بالمشيئة لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهذه عادة الأنبياء والأولياء أن لا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عَيْنٍ.
{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)} {قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى} وفي قراءة بفتح اللام وتشديد النون {عَن شَئ} تنكره مني في عملك واصبر {حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي أذكره لك بعلته فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)} {فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة} التي مرت بهما {خَرَقَهَا} الخضر بأن اقتلع لوحاً أو لوحين منها من جهة البحر بفأس لما بلغت اللج {قَالَ} له موسى {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} وفي قراءة بفتح التحتانية والراء ورفع أهلُها {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} أي عظيماً منكراً. روي أن الماء لم يدخلها.
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)} {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}.
{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)} {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} أي غفلت عن التسليم لك وترك الإِنكار عليك {وَلاَ تُرْهِقْنِى} تكلفني {مِنْ أَمْرِى عُسْراً} مشقة في صحبتي إياك أي عاملني فيها بالعفو واليسر.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)} {فانطلقا} بعد خروجهما من السفينة يمشيان {حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا} لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان أحسنهم وجهاً {فَقَتَلَهُ} الخضر بأن ذبحه بالسكين مضطجعاً أو اقتلع رأسه بيده أو ضرب رأسه بالجدار أقوال وأتى هنا بالفاء العاطفة لأن القتل عقب اللقاء. وجواب إذا {قَالَ} له موسى {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّة} بتشديد الياء بلا ألف أي طاهرة لم تبلغ حدّ التكليف وفي قراءة «زاكية» {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي لم تقتل نفساً {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} بسكون الكاف وضمها أي منكراً.
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)} {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} زاد «لك» على ما قبله لعدم العذر هنا.
{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)} ولهذا {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَئ بَعْدَهَا} أي بعد هذه المرة {فَلاَ تُصَاحِبْنِى} لا تتركني أتبعك {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى} بالتشديد والتخفيف. من قبلي {عُذْراً} في مفارقتك لي.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)} {فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} هي أنطاكية {استطعما أَهْلَهَا} طلبا منهم الطعام بضيافة {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً} ارتفاعه مائة ذراع {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي يقرب أن يسقط لميلانه {فَأَقَامَهُ} الخضر بيده {قَالَ} له موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ} وفي قراءة لاتَخذت {عَلَيْهِ أَجْراً} جُعلاً حيث لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام.
{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)} {قَالَ} له الخضر {هذا فِرَاقُ} أي وقت فراق {بَيْنِى وَبَيْنَكَ} فيه إضافة «بين» إلى غير متعدد سوغها تكريره بالعطف بالواو {سَأُنَبِّئُكَ} قبل فراقي لك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}.
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)} {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين} عشرة {يَعْمَلُونَ فِى البحر} بها مؤاجرة لها طلبا للكسب {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم} إذا رجعوا أو أمامهم الآن {مَلِكٌ} كافر {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} صالحة {غَصْباً} نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ.
{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)} {وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً} فإنه كما في حديث مسلم طبع كافراً ولو عاش لأرهقهما ذلك لمحبتهما له يتبعانه في ذلك.
{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)} {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا} بالتشديد والتخفيف {رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زكواة} أي صلاحاً وتقى {وَأَقْرَبَ} منه {رُحْماً} بسكون الحاء وضمها. رحمة وهي البرّ بوالديه فأبدلهما تعالى جارية تزوجت نبياً فولدت نبياً فهدى الله تعالى به أمة.
{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} {وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ} مال مدفون من ذهب وفضة {لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا} فحفظا بصلاحه أنفسهما ومالهما {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أي إيناس رشدهما {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} مفعول له عامله «أراد» {وَمَا فَعَلْتُهُ} أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار {عَنْ أَمْرِى} أي اختياري بل بأمر إلهام من الله {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ونوعت العبارة في: فأردت، فأردنا فأراد ربك.
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)} {وَيَسْئَلُونَكَ} أي اليهود {عَن ذِى القرنين} اسمه الإسكندر ولم يكن نبياً {قُلْ سَأَتْلُواْ} سأقص {عَلَيْكُم مِّنْهُ} من حاله {ذِكْراً} خبراً.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)} {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض} بتسهيل السير فيها {وءاتيناه مِن كُلِّ شَئ} يحتاج إليه {سَبَباً} طريقاً يوصله إلى مراده.
{فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)} {فَأَتْبَعَ سَبَباً} سلك طريقاً نحو المغرب.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)} {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس} موضع غروبها {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا {وَوَجَدَ عِندَهَا} أي العين {قَوْماً} كافرين {قُلْنَا ياذا القرنين} بإلهام {إِمَّا أَن تُعَذّبَ} القوم بالقتل {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} بالأسر.
{قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)} {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ} بالشرك {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} نقتله {ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} بسكون الكاف وضمها شديداً في النار.
{وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)} {وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا فَلَهُ جَزَاءً الحسنى} أي الجنة والإِضافة للبيان وفي قراءة بنصب «جزاءً» وتنوينه قال الفراء: ونصبه على التفسير أي لجهة النسبة {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي نأمره بما يسهل عليه.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)} {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} نحو المشرق.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)} {حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس} موضع طلوعها {وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ} هم الزنج {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا} أي الشمس {سِتْراً} من لباس ولا سقف، لأن أرضهم لا تحمل بناء ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون عند ارتفاعها.
{كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)} {كذلك} أي الأمر كما قلنا {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} أي عند ذي القرنين من الآلات والجند وغيرهما {خُبْراً} علما.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92)} {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً}.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)} {حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بفتح السين وضمها هنا وَبْعدُ، جبلان بمنقطع بلاد الترك، سدّ الإسكندر ما بينهما كما سيأتي {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} أي أمامهما {قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي لا يفهمونه إلا بعد بطء وفي قراءة بضم الياء وكسر القاف.
{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)} {قالوالقرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} بالهمز وتركه هما اسمان أعجميان لقبيلتين فلم ينصرفا {مُفْسِدُونَ فِى الأرض} بالنهب والبغي عند خروجهم إلينا {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} جُعْلاً من المال وفي قراءة خَرَاجاً {على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا} حاجزا فلا يصلون إلينا.
{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)} {قَالَ مَا مَكَّنّى} وفي قراءة بنونين من غير إدغام {فِيهِ رَبّى} من المال وغيره {خَيْرٌ} من خَرْجِكم الذي تجعلونه لي فلا حاجة بي إليه وأجعل لكم السد تبرعاً {فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ} لما أطلبه منكم {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} حاجزاً حصيناً.
{آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)} {ءَاتُونِي زُبَرَ الحديد} قَطَعهُ على قدر الحجارة التي يُبْنى بها فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم {حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين} بضم الحرفين وفتحهما وضم الأول وسكون الثاني أي جانبي الجبلين بالبناء ووضع المنافخ والنار حول ذلك {قَالَ انفخوا} فنفخوا {حتى إِذَا جَعَلَهُ} أي الحديد {نَارًا} أي كالنار {قَالَ ءَاتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} هو النحاس المذاب تنازع فيه الفعلان وحذف من الأول لإِعمال الثاني فأفرغ النحاس المذاب على الحديد المحمى فدخل بين زبره فصارا شيئاً واحداً.
{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)} {فَمَا اسطاعوا} أي يأجوج ومأجوج {أَن يَظْهَرُوهُ} يعلوا ظهره لارتفاعه وملاسته {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا} خرقاً لصلابته وسمكه.
{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)} {قَالَ} ذو القرنين {هذا} أي السد أي الإِقدار عليه {رَحْمَةٌ مّن رَّبّى} نعمة لأنه مانع من خروجهم {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى} بخروجهم القريب من البعث {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} مدكوكاً مبسوطاَ {وَكَانَ وَعْدُ رَبّى} بخروجهم وغيره {حَقّاً} كائناً.
{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)} فال تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ} يوم خروجهم {يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} يختلط به لكثرتهم {وَنُفِخَ فِى الصور} أي القرن للبعث {فجمعناهم} أي الخلائق في مكان واحد يوم القيامة {جَمْعاً}.
{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)} {وَعَرَضْنَا} قربنا {جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً}.
{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)} {الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} بدل من الكافرين {فِى غِطَاءٍ عَن ذِكْرِى} أي القرآن فهم عميٌ لا يهتدون به {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي لا يقدرون أن يسمعوا من النبي ما يتلوه عليهم بغضاً له فلا يؤمنون به.
{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)} {أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى} أي ملائكتي وعيسى وعزيراً {مِن دُونِى أَوْلِيَاءَ} أرباباً مفعول ثان ل «يتخذوا» والمفعول الثاني ل «حسب» محذوف. المعنى: أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني ولا أعاقبهم عليه؟ كلا «إنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ} هؤلاء وغيرهم {نُزُلاً} أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف.
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)} {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا} تمييز طابق المميز، وبيَّنهم بقوله:
{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} {الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحياة الدنيا} بطل عملهم {وَهُمْ يَحْسَبُونَ} يظنون {أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} عملاً يجازون عليه.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)} {أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ} بدلائل توحيده من القرآن وغيره {وَلِقَائِهِ} أي وبالبعث والحساب والثواب والعقاب {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بطلت {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} أي لا نجعل لهم قدرا.
{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)} {ذلك} أي الأمر الذي ذكرت من حُبوط أعمالهم وغيره مبتدأ خبره {جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى هُزُواً} أي مهزوءاً بهما.
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)} {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ} في علم الله {جنات الفردوس} هو وسط الجنة وأعلاها والإِضافة إليه للبيان {نُزُلاً} منزلاً.
{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)} {خالدين فِيهَا لاَ يَبْغُونَ} يطلبون {عَنْهَا حِوَلاً} تحولاً إلى غيرها.
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)} {قُل لَّوْ كَانَ البحر} أي ماؤه {مِدَاداً} هو ما يكتب به {لكلمات رَبّى} الدالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به {لَنَفِدَ البحر} في كتابتها {قَبْلَ أَن تَنفَدَ} بالتاء والياء: تفرغ {كلمات رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} أي البحر {مَدَداً} زيادة فيه لنفِد، ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز.
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ} آدميّ {مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ} أن المكفوفة ب «ما» باقية على مصدريتها والمعنى: يُوحَى إليّ وحدانيةُ الإله {فَمَن كَانَ يَرْجُو} يأمل {لِقَاء رَبّهِ} بالبعث والجزاء {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ} أي فيها بأن لا يرائي {أَحَدًا}.
{كهيعص (1)} {كهيعص} الله أعلم بمراده بذلك هذا.
{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)} {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ} مفعول رحمة {زَكَرِيَّا} بيان له.
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} {إِذْ} متعلق برحمة {نادى رَبَّهُ نِدَآءً} مشتملاً على دعاء {خَفِيّاً} سرًّا في جوف الليل لأنه أسرع للإِجابة.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)} {قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ} ضعف {العظم} جميعه {مِنِّى واشتعل الرأس} مني {شِيباً} تمييز محوَّل عن الفاعل أي: انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وإني أريد أن أدعوكَ {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ} أي بدعائي إياك {رَبِّ شَقِيّاً} أي خائباً فيما مضى فلا تخيّبني فيما يأتي.
{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)} {وَإِنِّي خِفْتُ الموالى} أي الذين يلوني في النسب كبني العمّ {مِن وراءى} أي بعد موتي على الدين أن يضيُعوه كما شاهدته في بني إسرائيل من تبديل الدين {وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا} لا تلد {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ} من عندك {وَلِيِّاً} ابناً.
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} {يَرِثُنِى} بالجزم: جواب الأمر، وبالرفع صفة ولياً {وَيَرِثُ} بالوجهين {مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} جدّي: العلم والنبوة {واجعله رَبِّ رَضِيّاً} أي: مرضياً عندك.
{يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)} قال تعالى في إجابة طلبه الابن الحاصل به رحمته: {يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام} يَرِثُ كما سألت {اسمه يحيى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي: مسمى بيحيى.
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)} {قَالَ رَبِّ إنى} كيف {يَكُونُ لِى غلام وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً} من عتايَبِسَ: ألى نهاية السنّ مائة وعشرين سنة وبلغت امرأته ثمانياً وتسعين سنة، وأصل (عُتِيّ): (عُتُوو)، كسرت التاء تخفيفاً، وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء لتدغم فيها الياء.
{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)} {قَالَ} الأمر {كذلك} من خلق غلام منكما {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} أي: بأن أرُدّ عليك قوّة الجماع، وأفتق رحم امرأتك للعلوق {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} قبل خلقك، ولإِظهار الله هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها. ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشَّر به.
{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} {قَالَ رَبِّ اجعل لِّى ءَايَةً} أي علامة على حمل امرأتي {قَالَ ءَايَتُكَ} عليه {أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس} أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر الله {ثلاث لَيَالٍ} أي بأيامها كما في آل عمران {ثلاثة أَيَّامٍ} [41: 3] {سَوِيِّاً} حال من فاعل تكلم أي بلا علة.
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)} {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب} أي المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة {فأوحى} أشار {إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ} صلُّوا {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أوائل النهار وأواخره على العادة، فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى.
{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} وبعد ولادته بسنتين. قال تعالى له: {يايحيى خُذِ الكتاب} أي التوراة {بِقُوَّةٍ} بِجِدّ {وءاتيناه الحكم} النبوة {صَبِيّاً} ابن ثلاث سنين.
{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)} {وَحَنَانًا} رحمة للناس {مِّن لَّدُنَّا} من عندنا {وزكواة} صدقة عليهم {وَكَانَ تَقِيًّا} رويَ أنه لم يعمل خطيئة ولم يهمّ بها.
{وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)} {وَبَرًّا بوالديه} أي: محسناً إليهما {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} متكبراً {عَصِيّاً} عاصياً لربه.
{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} {وسلام} منا {عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} أي: في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره قبلها، فهو آمن فيها.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)} {واذكر فِى الكتاب} القرآن {مَرْيَمَ} أي: خبرها {إِذْ} حين {انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً} أي: اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار.
{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)} {فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً} أرسلت ستراً تستتر به لِتُفَلِّي رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا} جبريل {فَتَمَثَّلَ لَهَا} بعد لبسها ثيابها {بَشَراً سَوِيّاً} تامّ الخلق.
{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)} {قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} فتنتهي عني بتعوّذي.
{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)} {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً} بالنبوّة.
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)} {قَالَتْ أنى يَكُونُ لِى غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} بتزوّج {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} زانية.
{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)} {قَالَ} جبريل: الأمر {كذلك} من خلق غلام منك من غير أب {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} أي: بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} على قدرتنا {وَرَحْمَةً مِّنَّا} لمن آمن به {وَكَانَ} خلقه {أَمْراً مَّقْضِيّاً} به في علمي، فنفخ جبريل في جيب درعها فأحسَّت بالحمل في بطنها مصوّراً.
{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)} {فَحَمَلَتْهُ فانتبذت} تنحَّت {بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها.
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)} {فَأَجَآءَهَا} جاء بها {المخاض} وجع الولادة {إلى جِذْعِ النخلة} لتعتمد عليه فولدت والحمل والتصوير والولادة في ساعة {قَالَتْ يا} للتنبيه {لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هذا} الأمر {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر.
{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)} {فناداها مِن تَحْتِهَآ} أي: جبريل وكان أسفل منها {أَلاَّ تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} نهر ماء كان قد انقطع.
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة} كانت يابسة، والباء زائدة {تُساقِطْ} أصله بتاءين، قلبت الثانية سيناً وأدغمت في السين، وفي قراءة تركها {عَلَيْكِ رُطَباً} تمييز {جَنِيّاً} صفته.
{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)} {فَكُلِى} من الرطب {واشربى} من السريّ {وَقَرِّى عَيْناً} بالولد، تمييز محوّل من الفاعل أي: لتقرّ عينك به أي: تسكن فلا تطمح إلى غيره {فَإِمَّا} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {تَرَيِنَّ} حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين {مِنَ البشر أَحَداً} فيسألك عن ولدك {فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً} أي إمساكاً عن الكلام في شأنه وغيره من الأناسي، بدليل {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً} أي: بعد ذلك.
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)} {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} حالاً فرأوه {قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} عظيماً حيث أتيت بولد من غير أب.
{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)} {يا هارون} هو رجل صالح أي: يا شبيهته في العفة {مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ} أي: زانياً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي: زانية، فمن أين لك هذا الولد؟.
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)} {فَأَشَارَتْ} لهم {إِلَيْهِ} أن كلموه {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ} أي وجد {فِى المهد صَبِيّاً}.
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} {قَالَ إِنِّى عَبْدُ الله ءاتانى الكتاب} أي: الإِنجيل {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً}.
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)} {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ} أي: نفاعاً للناس إخبار بما كتب له {وأوصانى بالصلاوة والزكاوة} أمرني بهما {مَا دُمْتُ حَيّاً}.
{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)} {وَبَرّاً بوالدتى} منصوب ب «جعلني» مقدّراً {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً} متعاظماً {شَقِيّاً} عاصياً لربه.
{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} {والسلام} من الله {عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} يقال فيه ما تقدّم في السيد يحيى.
{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)} قال تعالى: {ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق} بالرفع خبر مبتدأ مقدّر أي: قول ابن مريم. وبالنصب بتقدير قلت، والمعنى: القول الحق {الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ} من المرية أي: يشكون وهم النصارى، قالوا: إن عيسى ابن الله كذبوا.
{مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35)} {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه} تنزيهاً له عن ذلك {إِذَا قضى أَمْرًا} أي أراد أن يحدثه {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} بالرفع بتقدير هو، وبالنصب بتقدير أن ومن ذلك خلق عيسى من غير أب.
{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)} {وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه} بفتح أن بتقدير اذكر، وبكسرها بتقدير قل بدليل {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّى ورَبَّكُمْ} [117: 5] {هذا} المذكور {صراط} طريق {مُّسْتَقِيمٍ} مؤد إلى الجنة.
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)} {فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ} أي النصارى في عيسى: أهو ابن الله، أو إله معه، أو ثالث ثلاثة؟ {فَوَيْلٌ} فشدّة عذاب {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} بما ذكر وغيره {مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: حضور يوم القيامة وأهواله.
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)} {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} بهم؟ صيغة تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} في الآخرة {لكن الظالمون} من إقامة الظاهر مقام المضمر {اليوم} أي: في الدنيا {فِى ضلال مُّبِينٍ} أي (بَيِّن)، به صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي: اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صمًّا عمياً.
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)} {وَأَنذِرْهُمْ} خوِّف يا محمد كفار مكة {يَوْمَ الحسرة} هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإِحسان في الدنيا {إِذْ قُضِىَ الأمر} لهم فيه بالعذاب {وَهُمْ} في الدنيا {فِى غَفْلَةٍ} عنه {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} به.
{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)} {إِنَّا نَحْنُ} تأكيد {نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا} من العقلاء وغيرهم بإهلاكهم {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} فيه للجزاء.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)} {واذكر} لهم {فِى الكتاب إبراهيم} أي: خبره {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً} مبالِغاً في الصدق {نَبِيّاً} ويبدل من خبره.
{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)} {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} آزر {ياأبت} التاء عوضاً عن ياء الإِضافة ولا يجمع بينهما، وكان يعبد الأصنام {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ} لا يكفيك {شَيْئاً} من نفع أو ضرّ.
{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)} {ياأبت إِنِّى قَدْ جآءَنِى مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعنى أَهْدِكَ صراطا} طريقاً {سَوِيّاً} مستقيماً.
{يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)} {ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان} بطاعتك إياه في عبادة الأصنام {إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً} كثير العصيان.
{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)} {ياأبت إِنِّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن} إن لم تتب {فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً} ناصراً وقريناً في النار.
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)} {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى ياإبراهيم} فتعيبها؟ {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} عن التعرّض لها {لأَرْجُمَنَّكَ} بالحجارة أو بالكلام القبيح فاحذرني {واهجرنى مَلِيّاً} دهراً طويلاً.
{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)} {قَالَ سلام عَلَيْكَ} منِّي أي لا أصيبك بمكروه {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} من (حَفِيَ): أي بارًّا فيجيب دعائي، وقد أوفى بوعده المذكور في (الشعراء) {واغفر لأَبِى} [86: 26] وهذا قبل أن يتبيَّن له أنه {عَدوٌّ لِّلَّهِ} [114: 9] كما ذكره في (براءة).
{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)} {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ} تعبدون {مِن دُونِ الله وَأَدْعُو} أعبد {رَبِّى عسى أ} ن {لا أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى} بعبادته {شَقِيّاً} كما شقيتم بعبادة الأصنام.
{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)} {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} بأن ذهب إلى الأرض المقدّسة {وَهَبْنَا لَهُ} ابنين يأنس بهما {إسحاق وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ} منهما {جَعَلْنَا نَبِيّاً}.
{وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)} {وَوَهَبْنَا لَهْمْ} للثلاثة {مِن رَّحْمَتِنَا} المال والولد {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} رفيعاً هو الثناء الحسن في جميع أهل الأديان.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51)} {واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} بكسر اللام وفتحها، من أخلص في عبادته وخلصه الله من الدنس {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً}.
{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)} {وناديناه} بقول: ياموسى إِنى أَنا الله {مِن جَانِبِ الطور} اسم الجبل {الأيمن} أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين {وقربناه نَجِيّاً} مناجياً بأن أسمعه الله تعالى كلامه.
{وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)} {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنآ} نعمتنا {أَخَاهُ هارون} بدل أو عطف بيان {نَبِيّاً} حال هي المقصودة بالهبة إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه وكان أسنَّ منه.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)} {واذكر فِى الكتاب إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد} لم يعد شيئاً إلا وفى به، وانتظر مَنْ وعده ثلاثة أيام أو حولاً حتى رجع إليه في مكانه {وَكَانَ رَسُولاً} إلى جُرهم {نَبِيّاً}.
{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} أي قومه {بالصلاة والزكواة وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} أصله «مَرْضُووٌ» قلبت الواوان ياءين والضمة كسرة.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56)} {واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ} هو جدّ أبي نوح {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}.
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} {ورفعناه مَكَاناً عَلِيّاً} هو حيّ في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة أو في الجنة: أدخلها بعد أن أذيق الموت وَأُحْيِيَ ولم يخرج منها.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)} {أولئك} مبتدأ {الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم} صفة له {مِّنَ النبين} بيان له، وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ} أي إدريس {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام {وَمِن ذُرِّيَّةِ إبراهيم} أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب {وَ} من ذرية {إسراءيل} وهو يعقوب أي موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا} أي من جملتهم، وخبر أولئك {إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياة الرحمن خَرُّاْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم وأصل (بُكِيّ) (بُكُويْ)، قلبت الواو ياء والضمة كسرة.
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)} {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة} بتركها كاليهود والنصارى {واتبعوا الشهوات} مِنَ المعاصي {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} هو واد في جهنم، أي يقعون فيه.
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)} {إِلاَّ} لكن {مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ} ينقصون {شَيْئاً} من ثوابهم.
{جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)} {جنات عَدْنٍ} إقامة، بدل من الجنة {التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب} حال، أي غائبين عنها {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ} أي موعوده {مَأْتِيّاً} بمعنى آتياً، وأصله «مَأْتَويٌّ» أو موعوده هنا الجنة يأتيه أهله.
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)} {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} من الكلام {إِلاَّ} لكن يسمعون {سلاما} من الملائكة عليهم، أو من بعضهم على بعض {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي على قدرهما في الدنيا، وليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبداً.
{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)} {تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ} نعطي وننزل {مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} بطاعته.
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)} ونزل لما تأخر الوحي أياماً وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أي أمامنا من أمور الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} من أمور الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذلك} أي: ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي له علم ذلك جميعه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} بمعنى ناسياً أي: تاركاً لك بتأخير الوحي عنك.
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} هو {رَبّ} مالك {السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لعبادته} أي اصبر عليها {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي مسمى بذلك؟ لا.
|